عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

334

روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )

( الحكاية الثامنة والتسعون بعد الثلاث مئة : عن بعض الفقراء ) قال : كنت في بدء إرادتي صحبت بعض المشايخ ، فكان يأمرني بالخدمة ، وكنت متلذذا بأمره ، فأرسلني يوما إلى القصاب لأحمل لحما للفقراء ، فابتعت منه حاجتي وحملتها ، والتفت إلى جانبي فرأيت رجلا يسوق دابة محملة ، فوكزنى فسقطت على مسمار في حانوت القصاب ، فأصاب جنبي ، فحملني عنه صاحب الحانوت ، ووجدت منه ألما كثيرا ، فبينما نحن مشغولون بربط الجرح ، وإذا بصاحب الدابة قد وقف علينا ومعه ثلاثة رجال من العوام وقال : سقطت منى صرة فيها عشرة دنانير كانت في رأسي ، فحمل القصاب وحملني رجلين آخرين إلى صاحب المدينة ، وقال هؤلاء الذين أخذوا الصرة ، فضرب كلا من أصحابي ضربا شديدا ، ثم ضربت من جملتهم ، فكان الضرب يقع على الجرح ، ثم نظر أحد العوام إلى الإناء الذي فيه اللحم ، فوجد الصرة فيه ، فقالوا هذا السارق ، فقال صاحب المدينة نقطع يده ، فأمر بالزيت فأغلى ، واجتمعت على الخلائق بالضرب والسب وأنا بين يدي أربعة رجال ، ونادى مناد : أحضروا السارق فقد طاب الزيت ، وأنا مسلم أمرى لمن بيده ملكوت كل شئ ، ولطمنى أحد الرجال لطمة حتى غبت عن الحس ، وأنا صابر في ذلك البلاء ، راجع إلى اللّه تعالى في ذلك الأمر ، وقال يالص يا سارق ، ثم جذبني حتى سقطت على وجهي ، فخررت ساجدا ، فشهدت النبي صلّى اللّه عليه وسلم ينظر إلى وهو يتبسم ، فما استويت قائما إلا وقد زال عنى ما كنت فيه ، ثم في الوقت نادى مناد : الذي أمسكتموه خادم الشيخ ، فنظروا إلى وقالوا لا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم ، ثم خر الرجال الذين كنت معهم على رجلي ، وأتى صاحب البلدة مسرعا وقبل رجلي وقال : يا سيدي سألتك باللّه العظيم إلا ما غفرت لنا ، ثم أتى صاحب الصرة وتضرع وبكى وقال : يا سيدي عنى ترضى ، فقلت لهم يغفر اللّه لي ولكم ، هذه سابقة أظهرت سريرة كامنة في وقتها ، ثم انكشفت الصرة وظهر أن العشرة الدنانير وحمل الدابة التي كان يسوقها الرجل الذي سقطت منه الدنانير رسالة إلى الشيخ ، واتفق أن الشيخ وجماعة الفقراء في ذلك الوقت الذي كنت فيه كانوا في الاستغفار لقضية وقعت بين الفقراء ، ولم يخرج أحد من الجماعة حتى وقفت بالباب واللحم معي والصرة ، فسلمتها للشيخ وأخبرته بالقصة ،